الشنقيطي
92
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في تفسيره ، وقال : واختاره غير واحد ، ونقله القرطبي عن ابن عبّاس ، وقتادة ، ومجاهد ، وأبي مالك ، وذكر أنّه روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقال بعض من قال بهذا القول : إنّ أهل أيلة لما اعتدوا في السبت ، قال داود عليه الصلاة والسلام : « اللهّم ألبسهم اللّعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين » ، فمسخهم اللّه قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا ، قال عيسى عليه الصلاة والسلام : « اللّهم عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذّبه أحدا من العالمين ، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ، فأصبحوا خنازير » . وإن هذا معنى لعنهم على لسان داود ، وعيسى ابن مريم ، وفي الآية أقوال غير هذا تركنا التعرّض لها ، لأنّها ليست ممّا نحن بصدده . قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [ 89 ] . قد قدّمنا في سورة البقرة أنّ المراد بما عقدّتم الأيمان ، هو ما قصدتم عقد اليمين فيه ، لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد نحو « لا واللّه » و « بلى واللّه » ، ومنه قول الفرزدق : وليست بمأخوذ بلغو تقوله * إذا لم تعمد عاقدات العزائم وهذا العقد معنويّ ، ومنه قول الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا وقرأه حمزة ، والكسائي ، وشعبة عن عاصم عَقَّدْتُمُ بالتخفيف بلا ألف . وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر عاقدتم بألف بوزن فاعل ، وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف ، والتضعيف والمفاعلة : معناها مجرد الفعل بدليل قراءة عَقَّدْتُمُ بلا ألف ، ولا تضعيف ، والقراءات يبيّن بعضها بعضا « وما » في قوله بِما عَقَّدْتُمُ مصدريّة على التحقيق لا موصولة ، كما قاله بعضهم زاعما أنّ ضمير الرابط محذوف . وفي المراد باللّغو في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان : الأول : أنّ اللّغو ما يجري على لسان من غير قصد ، كقوله « لا واللّه » و « بلى واللّه » . وذهب إلى هذا القول الشافعي ، وعائشة في إحدى الروايتين عنها ، وروي عن ابن عمر ، وابن عبّاس في أحد قوليه ، والشعبي ، وعكرمة في أحد قوليه ، وعروة بن الزبير ، وأبي صالح ، والضحّاك في أحد قوليه ، وأبي قلابة ، والزهري ، كما نقله عنهم ابن كثير ، وغيره . القول الثاني أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده ، فيظهر نفيه : وهذا هو مذهب